أحمد بن علي القلقشندي

202

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الجملة الثامنة ( في خروج السلطان للسّفر ) من عادة هذا السلطان إذا سافر أن يخرج من قصره وينزل بظاهر بلده ، ثم يرتحل من هناك فيضرب له طبل كبير قبيل الصبح إشعارا بالسفر ، فيتأهّب الناس ويشتغل كلّ أحد بالاستعداد للرحيل . فإذا صلَّى صلاة الصبح ركب الناس على قبائلهم في منازلهم المعلومة ، ووقفوا في طريق السلطان صفّا إلى صفّ ، ولكل قبيل رجل علم معروف به ومكان في الترتيب لا يتعدّاه ، فإذا صلَّى السلطان الصبح قعد أمام الناس ، ودارت عليه عبيده ووصفانه ونقباؤه ، ويجلس ناس حوله يعرفون بالطلبة يجري عليهم ديوانه ، يقرأون حزبا من القرآن ، ويذكرون شيئا من الحديث النبويّ ، على قائله أفضل الصلاة والسلام ! . فإذا أسفر الصبح ركب وتقدّم أمامه العلم الأبيض المعروف بالعلم المنصور ، وبين يديه الرّجّالة بالسلاح والخيل المجنوبة ، بثياب السّروج الموشيّة ، ويعبّرون عن ثياب السروج بالبراقع . وإذا وضع السلطان رجله في الرّكاب ، ضرب على طبل كبير يقال له تريال ثلاث ضربات إشعارا بركوبه . ثم يسير السلطان بين صفّي الخيل ويسلَّم كلّ صفّ عليه بأعلى صوته « سلام عليكم » ويكتنفانه يمينا وشمالا ، وتضرب جميع الطبول التي تحت البنود الكبار الملوّنة خلف الوزير على بعد من السلطان ، ولا يتقدّم أمام العلم الأبيض إلا من يكون من خواصّ علوج السلطان ، وربما أمرهم بالجولان بعضهم على بعض ، ثم ينقطع ضرب الطبول إلى أن يقرب من المنزل . وإذا ركب السلطان لا يسايره إلا بعض كبار الأشياخ من بني مرين أو بعض عظماء العرب ، وإذا استدعى أحدا لا يأتيه إلا ماشيا ، ثم ربما حدّثه وهو يمشي ، وربما أكرمه فأكرمه بالركوب . فإذا قرب السلطان من المنزل تقدّمت الزّمّالة : وهم الفرّاشون ، ويضربون شقّة من الكتّان في قلبها جلود يقوم بها عصيّ وحبال من القصب في أوتاد ، وتستدير على كثير من الأخبية وبيوت الشّعر الخاصّة به وبعياله وأولاده الصّغار ، تكون هذه الشّقّة كالمدينة لها أربعة أبواب في كل جهة باب ،